ابن الجوزي

504

كتاب ذم الهوى

فسألتها عن ضالتي فلم يك عندها منها علم . فقلت : أيتها العجوز ، من هذا الفتى ؟ قالت : ابني . ثم قالت : هل لك في أجر لا مؤونة فيه ؟ فقلت : واللّه إنّي لأحبّ الأجر ، وإن رزئت . فقالت : إن ابني هذا كان يهوى ابنة عم له ، وكان علقها وهما صغيران ، فلما كبرا حجبت عنه ، فأخذه شبيه بالجنون ، ثم خطبها إلى أبيها فامتنع من تزويجه ، وخطبها غيره فزوّجها إياه . فنحل جسم ولدي واصفرّ لونه وذهل عقله . فلما كان منذ خمس زفّت إلى زوجها . فهو كما ترى لا يأكل ولا يشرب مغمى عليه . فلو نزلت إليه فوعظته . قال : فنزلت إليه فلم أدع شيئا من الموعظة إلّا وعظته ، حتى أني قلت فيما قلت : إنهن الغواني صاحبات يوسف ، الناقضات العهد ، وقد قال فيهن كثيّر عزّة : هل وصل عزّة إلا وصل غانية * في وصل غانية من وصلها خلف قال : فرفع رأسه محمرة عيناه كالمغضب وهو يقول : لست ككثير عزة ، إن كثيرا رجل مائق وأنا رجل وامق ، ولكني كأخي تميم حيث يقول : ألا لا يضير الحبّ ما كان ظاهرا * ولكن ما اجتاف الفؤاد يضير ألا قاتل اللّه الهوى كيف قادني * كما قيد مغلول اليدين أسير فقلت له : فإنه قد جاء عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بي . فأنشأ يقول : ألا ما للمليحة لم تعدني * أبخل بالمليحة أم صدود مرضت فعادني أهلي جميعا * فما لك لا تري فيمن يعود فقدتك بينهم فبكيت شوقا * وفقد الإلف يا أملي شديد وما استبطأت غيرك فاعلميه * وحولي من ذوي رحمي عديد ولو كنت المريض لكنت أسعى * إليك وما يهدّدني الوعيد قال : ثم شهق شهقة وخفت فمات .